مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )

260

تفسير مقتنيات الدرر

تخفيف بعضهم دون بعض وتثقيل بعضهم دون بعض لأنّ العدل يقتضي أن ينتصف للمظلومين من الظالمين ولا سبيل إليه إلَّا بأن يخفّف من عذاب المظلومين ويثقل في عذاب الظالمين . قوله تعالى : [ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 55 إلى 56 ] أَلا إِنَّ لِلَّه ِ ما فِي السَّماواتِ وَالأَرْضِ أَلا إِنَّ وَعْدَ اللَّه ِ حَقٌّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 55 ) هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْه ِ تُرْجَعُونَ ( 56 ) تعلَّق الآية بما قبلها هو أنّه قال قبل هذه الآية : « وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ ما فِي الأَرْضِ لَافْتَدَتْ بِه ِ » فلا جرم بيّن في هذه الآية أنّه ليس للظالم شيء يفتدي به فإنّ كلّ الأشياء ملك اللَّه تعالى وملكه . وهاهنا دقيقة أخرى وهي كلمة « ألا » وهذه الكلمة إنّما تذكر عند تنبيه الغافلين وإيقاظ النائمين وأهل هذا العالم غالبا مشغولون بالنظر إلى الأسباب الظاهرة فيقولون : البستان للأمير ، والدار للوزير ، والغلام لزيد ، والجارية لعمرو فيضيفون كلّ شيء إلى مالك آخر والخلق لكونهم في رقدة الغفلة يظنّون صحّة تلك الإضافات فاللَّه سبحانه ينبّه الغافلين بقوله : * ( [ أَلا إِنَّ لِلَّه ِ ] ) * وذلك لأنّه لمّا ثبت بالعقل أنّ ما سوى الواحد الأحد ممكن لذاته والممكن مستند إلى الواجب لذاته فما سواه ملكه أجدّه فما سواه له وليس لغيره في الحقيقة . ثمّ نبّه ثانيا بقوله تعالى أنّ المالك الغنيّ عن كلّ شيء جميع ما وعد به من العذاب والحشر والنشر حقّ وواقع لا محالة . * ( [ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ ] ) * لغفلتهم ولاقتصار فهمهم على المحسوسات المعتادة * ( [ لا يَعْلَمُونَ ] ) * . فيقولون ما يقولون ويفعلون ما يفعلون * ( [ هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ ] ) * من غير دخل لأحد في ذلك * ( [ وَإِلَيْه ِ ] ) * . لا إلى غيره في الآخرة * ( [ تُرْجَعُونَ ] ) * بالبعث والحشر . قوله : [ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 57 إلى 58 ] يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ( 57 ) قُلْ بِفَضْلِ اللَّه ِ وَبِرَحْمَتِه ِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ( 58 ) المعنى : * ( [ يا أَيُّهَا النَّاسُ ] ) * خطاب لجميع الخلق والمكلَّفين * ( [ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ ] ) * . يعني القرآن . والموعظة بيان ما يجب أن يحذر عنه ويرغب فيه ويدعو إلى الصلاح ويزجر